
إن الكتابة عن الأولياء ونشر سيرهم ومناقبهم للناس كي يحذوا حذوهم، ويسلكوا نهجهم يُعدُّ تعظيماً لشعائر الله: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
فالشعائر معناها- كما بينه المفسرون- معالم الدين، وإذا كانت مناسك الحج تسمى بالشعائر، فإنما لكونها علامات للتوحيد والدين الحنيف، وكل ما هو شعيرة لدين الله فإن تعظيمه مما يقرب إلى الله تعالى .
ولا شك أن الأولياء- فضلاً عن الأنبياء- هم أكبر وأبرز علامات دين الله تعالى، فتخليد ذكرهم والكتابة عنهم هو نوع من تعظيمهم واحترامهم .
ونحن في هذه السطور سنضع ومضات نورانية عن شخصية عرفانية، لها دور كبير في نشر التصوف بمحافظة تعـز(الجمهورية اليمنية)، لا سيما في جبل صبر، وعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات وتتعرض النفوس للنفحات،
ولنشرع الآن في مقصودنا ونتكلم عن محبوبنا ألا وهو السيد العارف الذي من بحر المصطفى غارف القطب الرباني، صاحب الحضرة والمقام والذاكر الله على الدوام سيدي الشيخ/ علي بن أحمد الرميمة القادري مشرباً وطريقة، والهادوي مذهباً ومنهجاً .
نسبه قدَّس الله سره :
جاء في سجلات النسب التي في حوزة أحفاده بأنه السيد علي بن أحمد بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس بن جعفر الزكي بن علي النقي بن محمد التقي بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن شهيد كربلاء الإمام الحسين بن الإمام الوصي علي بن أبي طالب زوج البتول فاطمة بنت الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- .
ونجد أن الشيخ علي الرميمة يلتقي مع الإمام يحيى بن حمزة عند جده يوسف بن علي بن إبراهيم، فقد جاء في كتاب "طبقات الزيدية" القسم الثالث ما نصه: " يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس... إلى آخر النسب" أ.هـ.
وهذه الترجمة للإمام يحيى بن حمزة تؤكد صحة نسب السيد علي الرميمة وأنه من السادة الحسينيين، وأجداده هؤلاء كلهم ينتهجون مذهب العترة الطاهرة، وهو المنهج الذي كان عليه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-، وكيف لا يكون مذهبهم كذلك و آباؤهم كانوا بحور العلم والمعرفة ومؤسسو الفقه، وجميع أئمة المذاهب، إنما أخذوا عنهم وتتلمذوا لديهم سيما لدى الإمام جعـفر الصـادق عليه السـلام.
نشأته وظهوره وأهم مشايخه في التصوف:
ولد شبخنا الرميمة في صعدة وقضى جزءاً من حياته فيها وكان يسودها المذهب الزيدي الهادوي، فتعلَّم على يد والده وعلماء عصره، ونشـأ نشأة صالحة متخلقاً بأخلاق أجداده، عارفاً لعلومهم، وسائراً على منهجهم ثم بعد ذلك ولىَّ شطره نحو تعز فكان وصوله إليها عن طريق أبين متخذاً منها جسراً لبث أفكاره، وعند وصوله إلى تعـز سكن في منطقة الوحيز( وتسمى الآن بمنطقة صينه وتقع غرب مدينة تعز ومنها الطريق المؤدي إلى مديرية مشرعة وحدنان ً )، ومنها بدأت انطلاقته الصوفية، والذي ساعده على ذلك هو أن عصره كان خصباً في رجالات التصوف، فقد كان ظهوره في بداية القرن السادس الهجري، ومعلوم أن القرنين السادس والسابع الهجريين وصل التصوف فيهما إلى قمة ازدهاره ، فقد تغنت أطياره وترجمت أسراره واتسع انتشاره حتى كثر أنصاره، فظهر فيهما أقطابه العظام وأعلامه الفخام.كالإمام احمد بن علوان وقد كان معاصرا لشيخنا الرميمة
وأول طريقة صوفية بدأت في الانتشار، هي الطريقة القادرية، فقد أدخلت إلى اليمن في منتصف القرن الخامس، وأول من أدخلها الشيخ الكبير العارف بالله علي بن عبد الرحمن الحداد وعنه أخذها الشيخ مدافع بن أحمد بن محمد المعيني وهو يُعد شيخ الفتح لسيدي علي الرميمة، فقد صحبه وأخذ عنه الطريقة القادرية، قال العلاَّمة بهاء الدين الجندي في كتابه « السلوك في طبقات العلماء والملوك » مانصه « إنه ـ أي الرميمة ـ صحب الشيخ مدافع وحقق له».
...جاء سيدي علي الرميمة إلى الشيخ مدافع لؤلؤة عجماء فثقبه- أي مدافع- بأنواره وحشاه بأسراره، حتى لمع نجمه في سماء الظهور، وصار اسمه في ديوان الأولياء مشهوراً، وأصبح أحد رجالات الفكر الإسلامي، صوفياً من الطراز الأول، صاحب خلق وصفاء وكرم ووفاء، متابعاً لنبيه المصطفى، ومخالفاً لأهل الطمع والجفا، فأصبحت مجالسته شفاء ومغفرة لمن زلَّ وهفا... كان- قدس الله- سره مع الله تعالى في كل نفس يلهج بذكره، ولا ينقطع عن شكره، لا يتكلم إلا عنه، ولا يسمع إلا منه، ولا ينظر إلا إليه
علاقته بالسلطة السياسية:
نستطيع أن نلمح علاقة الرميمة بالسلطة الحاكمة آنذاك من خلال ما حدث لشيخه مدافع مع الملك المسعود الذي قام بحبسه ونفيه من البلاد. وإليك بيان ذلك: كان الملك المسعود كثيراً ما ينزل من الحصن، فيقف في الميدان أو في المطعم يطعم الجوارح الصيدية، فرأى جمعاً عظيماً من الناس في ناحية الوحيز يقصدون زيارة الشيخ مدافع، فسأل عنه، فقيل له: هو رجل من كبار الصالحين وله عند الناس قبول عظيم ومحل جسيم، فأحب أن يطلع على أمره وأظهر أن غرضه زيارته، ووصل إلى بابه، وكان من عادة الشيخ مدافع إذا صلّى الصبح، يظل إلى صلاة الضحى مشتغلاً بالذكر والتلاوة والصلاة وغير ذلك، ولا يدخل عليه أحد ولا يخرج إلى أحد، فاتفق وصول الملك المسعود في ذلك الوقت، فكان خادم الشيخ يدخل ويخرج ويقول: الساعة يخرج الشيخ، الساعة يخرج الشيخ من غير أن يُعلم الشيخ، فلما طال وقوف الملك على باب الشيخ جعل جماعة من الأُمراء والمماليك الذين كانوا بجانب الملك يقولون: ولد الملك الكامل واقفاً على باب فلاح من أهل اليمن لم يأذن له، ونحو ذلك، فاغتاظ الملك المسعود من ذلك غيظاً شديداً ورجع قبل أن يجتمع بالشيخ، ثم إنه خشي أن يحدث منه مثل ما حدث من مرغم الصوفي، فأمر بالقبض عليه وعلى صهره الشريف أبي الحديد، وكان قبضه في عشر رمضان من سنة(617هـ) فأقام محبوساً في حصن تعز إلى شهر ربيع الأول من سنة(618هـ)، ثم سفَّر به إلى الهند فأقام فيها نحو شهرين ورجع إلى ظفار فأقام بها أياماً قلائل ثم توفي فيها.. وقد سبق أن ذكرنا ذلك في ترجمته.
من هذا تعلم كيف كانت معاملة الملك الأيوبي مع أهل الله من الصوفية وما خفي كان أعظم، يبين لنا حال الصوفية وما واجهوه من تعسفات ومضايقات في دولة بني أيوب، واعلم أن نفي الشيخ مدافع من البلاد لم يكن سببه تلك الحادثة- الآنفة الذكر- من وقوف السلطان في بابه لمدة ساعة وإنما السبب الأكبر هو كثرة أتباعه وانتشار صيته في البلاد، وكثرة الناس الوافدين إليه من جميع الأماكن، وهذا أمر يثير مخاوفذ الملك المسعود، فيخشى من قيام ثورة مدافعية تُحاك ضده، كما حدث من مرغم الصوفي، فهو يتضايق من الشيوخ الذين لهم أتباع كثيرون والذين سكنهم قريب من القلعة،..
فإذا فهمت ما ذكرناه- آنفاً- تعلم أن الشيخ الرميمة قد تم نفيه إلى جبل صبر من قبل الملك المسعود أو أنه ذهب بنفسه إلى منطقة « حدنان »، بسبب المضايقات والتعسفات التي واجهها ـ فلم يطب له المقام في قرية الوحيز بعد ترحيل شيخه عنها ومعلوم أن قرية الوحيز وما حولها كانت قريبة جداً من الحصن الذي كان المركز الرئيس لعقد مؤتمرات الأيوبيين، فعاصمة اليمن في عهدهم مدينة الجند وحصن تعز(الذي يسمى اليوم قلعة القاهرة) واستمر الأمر كذلك فترة طويلة في عهد الرسوليين.
وفاته قدَّس الله سره :
لقد كان للسيد علي الرميمة ـ كما في طبقات الخواص ـ عند أهل صبر وأهل تعـز وتلك الناحية مكانة عظيمة، ولهم فيه معتقد حسن يرجعون إليه في النوائب ويطلبون منه الدعاء إذا حلت بهم المصائب .
هكذا ظل طول حياته في خدمة الناس يفرج كربة المكروبين ويكشف الغم عن المغمومين ويدخل السرور على المحزونين ويقوم بنصرة المظلومين ويعطي المحرومين، تراه إما في خدمة الناس أو في رباطه يعلم المريدين أو في محرابه عابداً متفكراً وفي الحق مستغرقاً متفانياً، تالياً للقرآن مكثراً من الصلاة على النبي العدنان - صلى الله عليه وآله وسلم- ، هكذا حتى لبَّى منادي الملك الديان ورفرفت روحه إلى فسيح الجنان في يوم الجمعة بعد صلاة الضحى خامس وعشرين من شهر رمضان، سنة (663هـ) ، ودفن في مسجده بحدنان كما في السلوك و حسب النقوش الحجرية الموجودة في تربته المقصودة للتبرك والزيارة .
وعلى قبره تابوت حسن... الأنوار عليه تلوح والعودة منه تفوح والزوار يتوافدون إليه في كل وقت وحين، ويقام له في كل سنة جمع كبير، يأتون الناس من المحبين من كل مكان قاصدين مسجده وزائرين قبره، وتقوم ذريته باستقبال الزائرين وإضافة الوافدين بإطعام الطعام وتوزيع القات للصغير والكبير، ولقد شهدت الجمع في إحدى السنوات فرأيت تلك الجموع تتوافد إلى مسجد الرميمة، وذريته يستقبلونهم ويكرمونهم وفتوة الرميمة متجلية عليهم بالكرم وحسن الضيافة، فعلمت أن الفرع من ذلك الأصل وأن الرميمة لم يمت بل مازال حياً في ذريته.
ترحيله إلى جبل صـبر(عزلة حدنان):
بعد التقائه بشيخه مدافع في منطقة الوحيز وانتفاعه به، مكث في هذه المنطقة فترة من الزمن حتى أصبح شيخاً كاملاً وعالماً عاملاً وعارفاً واصلاً، خاض جميع العلوم، وفاق على علماء الرسوم حتى استوعب علوم عصره وجارى تطوراته ومتغيراته .
لم يعتكف في زاويته قانعاً بزهده كما دأب على ذلك بعض المتصوفة، وإنما كان ثائراً ومناضلاً وناطقاً بالحق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومع تزايد تلاميذه ومريديه الذين كانوا يأتون إليه من كل فج وصوب ليأخذوا علومهم وأورادهم منه عن طريق التلقين، قامت ال
دولة الأيوبية بترحيله أو بمضايقته مما أضطر إلى الطلوع إلى جبل صبر للسببين الآتيين:
أولاً: ظهوره السريع وكثرة أتباعه وانتقاداته الحادة التي كان يوجهها إلى ملك عصره(الملك المسعود الأيوبي)، لأنه- قدس الله سره- لا يمكن أن يرى الظلم ويسكت عليه، كالظلم والتعسف الذي حدث لشيخه مدافع، فبصوته الشجاع الذي كان يقض مضجع الظالم المستعمر الملك المسعود ازداد له الناس حباً واعتقاداً، وأصبح بنظرهم القطب الأوحد الذي لا ينافسه بمقامه أحد .
ثانياً: قرب سكنه من قلعة القاهرة، ومعلوم أن القلعة- كما ذكرنا ذلك سابقاً- كانت المركز الرئيس للسلطان الأيوبي التي كان يعقد مؤتمراته فيها ، فكان لا بد من ترحيل الرميمة أو مضايقته حتى لا يعكر صفو عيش الظالمين، وحتى يأمنوا من الأخطار التي قد تلحقهم كانتفاضة ثورية، أو هجوم مباغت أو...
بهذين السببين، تم إخراج الشيخ الرميمة من منطقة الوحيز إلى جبل صبر، ولا عجب في ذلك، فأجداده من قبله شردوا في عهد تينك الدولتين الأموية والعباسية، فقد أذاقوا أئمة آل البيت الويلات من سجن وتعذيب وتقتيل وتنكيل ونفي وتشريد، كل هذا بسبب التفاف الناس حولهم ومحبتهم لهم، لأن ذلك بنظر السلطات الحاكمة يشكل خطراً على عروشهم التي يدافعون عنها كما يدافع الأسد عن عرينه، وما أشبه الليلة بالبارحة .
وبعد ترحيل الشيخ علي الرميمة إلى جبل صبر، ولَّى شطره نحو قرية (ذي يعفر) فاتخذ لنفسه من الجهة الشرقية منها سكناً وسماها وكأنه قال ـ عند وصوله لتلك المنطقة ـ : «هنا حدّنا »، ومع مرور الزمن حصل تصرف في اللفظ فسميت (حدنان)، وبنى فيها الدار والمسجد المعروفين باسمه حالياً، واتخذ منهما رباطاً للعلم ومحلاً لإقامة الحضرة .
وأما ما جاء في طبقات الخواص و السلوك :« من أنه لزم طريق العزلة بجبل صبر» ، فهذا لا ينافي ما ذكرناه آنفاً، فالدولة الحاكمة آنذاك عند ما رحلته إلى جبل صبر، أو رحل بنفسه بسبب المضايقات التي كان يجدها من قبل الحكام... طلع إلى جبل صبر ووصل إلى المنطقة المذكورة آنفاً فلم يكن بها أحد من الناس فبقى وحيداً مع أهله وأبنائه مختلياً بربه، ولهذا عبر أصحاب الطبقات بأنه لزم طريق العزلة بجبل صبر، لكنهم لم يذكروا سبب طلوعه واستقراره في تلك المنطقة ؟!
وخلال استقرار الشيخ علي الرميمة في حدنان بدأ الناس من المناطق المجاورة وكذلك البعيدة يقصدونه للزيارة والتبرك، وجاء إليه مريدوه وطلاب العلم الذين كانوا ينتفعون به أيام إقامته في منطقة الوحيز، فاشتهر أمره وذاع صيته وظهرت عليه الكرامات – وسنذكر بعضاً منها لاحقاً – وكذلك المكاشفات، وكان بحق كهفاً للضعفاء والمظلومين يقرب البعيد ويأوي الطريد ويرد الشريد ويهدي إلى صراط الحميد، لقد أحبه الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم القاصي منهم والداني، فكل واحد بمحبته متفانٍ وكأنه حكم رباني، فبحلمه الكبير وسياسته الحكيمة وعبقريته الفذة، جعل الناس يلتفون حوله ويتتلمذون لديه ليصبحوا من أتباعه وطلابه .
لقد نقش لنفسه في ذاكرة الأيام صورة بديعة في الجمال والعظمة، وحقاً كان من أولياء الله المخلصين وأحد أئمة آل البيت العارفين، الذين أوجب الله على عباده مودتهم بقوله:[قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ]23:42 وجعلهم أمان الأمة من الضلال إذا ما تمسكوا بهم وساروا على منهجهم، كما جاء في الحديث المتواتر (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي آل بيتي ) .
ومع هذا كان الشيخ علي الرميمة رجلاً متواضعاً بسيطاً بساطة فطرية تربى عليها منذ نشأته فهو لا يرى لنفسه وجوداً لفنائه بالإله المعبود، حيث تعلقت روحه وحواسه بالعروة الوثقى وطافت بسدرة المنتهى وعانقت روح محبوبه المصطفى، حتى صار سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يأخذ ويعطي بها، ورجله التي يمشي عليها، وبهذا جاوز جميع المقامات، وحصلت له العلامات وواجهته في منازلاته البشارات، فكان الثاقب لدرة الأسرار واللاَّبس خلعة الوصي الكرَّار، (خلعة القطبية ذات الرتبة العلية)، جاءته من حضرة عين المعاني، وتوَّجه بها إمام طريقته الغوث الجيلاني، فكان عبد القادر الثاني متصرفاً في الأكوان وإمام أهل الديوان. وهنا نوقف القلم عن العنان لأني لست من فرسان هذا الميدان، ولأن الكلام في هذا الصدد فوق ما تتصوره الأذهان .